أحمد الشرباصي

94

موسوعة اخلاق القرآن

وتبعات الدعوة ومواطن الحق . * * * وللصوفية مذهبهم في الحياء ، فهم يرون - كما يذكر الإمام الهروي - أن الحياء من أول مدارج الخصوص ، وهو على ثلاث درجات ، فالدرجة الأولى هي الحياء الذي يتولد من علم العبد بأن اللّه ناظر إليه ، فيدعوه ذلك إلى الدأب في الطاعة والنفور من المعصية ؛ والدرجة الثانية الحياء الذي يتولد في العبد عند شعور قلبه بأن اللّه تعالى معه ، وأنه مع اللّه ، وأن اللّه قريب منه بالإجابة والإثابة ، والدرجة الثالثة هي الحياء الناشئ من انخلاع قلب العابد من التعلق بالكائنات ، وعكوفه على ربّ البريات بحيث لا يرى المرء مع اللّه غيره ، ولا يخطر بباله في تلك الحالة سواه . والصوفية في حديثهم عن الحياء يركّزون جلّ عنايتهم في الحياء من اللّه تبارك وتعالى ، وها هو ذا الجنيد شيخهم يقول : « الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير ، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء ، وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح ، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق » . ويقول ذو النون : « الحياء وجود الهيبة في القلب ، مع وحشة ما سبق منك إلى ربّك » ويقول السري : « إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد والورع أقاما فيه وإلا رحلا » ويرى الصوفية أن القلب إذا حرم الحياء أصبح لا خير فيه ، ولذلك يقول أحدهم : « أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه ، وعمارة القلب بالهيبة والحياء ، فإذا ذهب من القلب لم يبق فيه خير » ، ويجعل الفضيل قلة الحياء أحد خمسة أسباب للشقوة فيقول : « خمس من علامات الشقوة : القسوة في القلب ، وجمود العين ، وقلة الحياء ، والرغبة في الدنيا ، وطول الأمل » . وهذا أحد الأئمة يقول : هب البعث لم تأتنا رسله * وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحقّ * حياء العباد من المنعم ؟